محمد بن جرير الطبري

426

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

ما قلنا من ذلك ما : حدثنا به ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن إبراهيم حرم بيت الله وأمنه ، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يصاد صيدها ولا تقطع عضاهها " . حدثنا أبو كريب وأبو السائب ، قالا : ثنا عبد الرحيم الرازي ، سمعت أشعث ، عن نافع ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم كان عبد الله وخليله ، وإني عبد الله ورسوله ، وإن إبراهيم حرم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها عضاها وسندها ، ولا يحمل فيها سلاح لقتال ، ولا يقطع منها شحر إلا لعلف بعير " . حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا منيبة بن سعيد ، قال : ثنا بكر بن مضر ، عن ابن الهاد ، عن أبي بكر بن محمد ، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان ، عن رافع بن خديج ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن إبراهيم حرم مكة ، وإني أحرم المدينة ما بين لابتيها " . وما أشبه ذلك من الأَخبار التي يطول باستيعابها الكتاب . قالوا : وقد أخبر الله تعالى ذكره في كتابه إن إبراهيم قال : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً ولم يخبر عنه أنه سأل أن يجعله آمنا من بعض الأَشياء دون بعض ، فليس لأَحد أن يدعي أن الذي سأله من ذلك الأَمان له من بعض الأَشياء دون بعض إلا بحجة يجب التسليم لها . قالوا : وأما خبر أبي شريح وابن عباس فخبران لا تثبت بهما حجة لما في أسانيدهما من الأَسباب التي لا يجب التسليم فيها من أجلها . والصواب من القول في ذلك عندنا : أن الله تعالى ذكره جعل مكة حرما حين خلقها وأنشأها ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه حرمها يوم خلق السماوات والأَرض بغير تحريم منه لها على لسان أحد من أنبيائه ورسله ، ولكن بمنعه من أرادها بسوء ، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات ، وعن ساكنيها ما أحل بغيرها وغير ساكنيها من النقمات ؛ فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله ، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل ، فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاد فرض تحريمها على عباده على لسانه ، ليكون ذلك سنة لمن بعده من خلقه ، يستنون بها فيها ، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلا ، وأخبره أنه جاعله ، للناس إماما يقتدى به ، فأجابه ربه إلى ما سأله ، وألزم عباده حينئذ فرض تحريمه على لسانه ، فصارت مكة بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها بغير إيجاب الله فرض الامتناع منها على عباده ، ومحرمة بدفع الله عنها بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله فرض تحريمها على خلقه على لسان خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وواجب على عباده الامتناع من استحلالها ، واستحلال صيدها وعضاهها ، بإيجابه الامتناع من ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليك بذلك إليه ؛ فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله حرم مكة " لأَن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده على وجه العبادة له به ، دون التحريم الذي لم يزل متعبدا لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك ؛ كان عن مسألة إبراهيم ربه إيجاب فرض ذلك على لسانه ، لزم العباد فرضه دون غيره . فقد تبين إذا بما قلنا صحة معنى الخبرين ، أعني خبر أبي شريح وابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وإن الله حرم مكة يوم خلق الشمس والقمر " . وخبر جابر وأبي هريرة ورافع بن خديج وغيرهم ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " اللهم إن إبراهيم حرم مكة " وأن ليس أحدهما دافعا صحة معنى الآخر كما ظنه بعض الجهال . وغير جائز في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون بعضها دافعا بعضا إذا ثبت صحتها ، وقد جاء الخبران اللذان رويا في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مجيئا ظاهرا مستفيضا يقطع عذر من بلغه . وقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ فإنه إن يكن قال قبل إيجاب الله فرض تحريمه على لسانه على خلقه ، فإنما عنى بذلك تحريم الله إياه الذي حرمه بحياطته إياه وكلاءته من غير تحريمه إياه على خلقه على وجه التعبد لهم بذلك . وإن يكن قال ذلك بعد تحريم الله إياه على لسانه على خلقه على وجه التعبد ، فلا مسألة لأَحد علينا في